انتخبت الرابطة الأفريقية لمصنّعي السيارات (AAAM) رجل الأعمال المصري طارق مسعد رئيساً لها، في خطوة تحمل دلالة تتجاوز المنصب نفسه.
مسعد يشغل حالياً منصب الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة هيونداي موتور الشرق الأوسط وأفريقيا، ومقرها الإقليمي في دبي. وكان قد أصبح في يناير 2026 أول مسؤول تنفيذي عربي يتولى قيادة هذا المقر، بعد أكثر من عقدين من الخبرة القيادية الدولية في قطاع صناعة السيارات.
لماذا يعد هذا التوقيت مهماً؟
يأتي انتخاب مسعد في لحظة مفصلية بالنسبة لصناعة السيارات الأفريقية.
المشكلة التاريخية في القارة لم تكن غياب المصانع، بل غياب الحجم. فكل سوق أفريقية كانت تعمل بمعزل عن الأخرى، وحجم كل منها منفرداً لا يكفي لتبرير الاستثمارات الضخمة التي يتطلبها قطاع السيارات.
اليوم بدأت المعادلة تتغير بفعل عاملين:
- منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تفتح الباب أمام حركة أوسع للسلع بين الدول
- السياسات الوطنية لقطاع السيارات المعمول بها في الأسواق الرئيسية
هذان العاملان معاً يهيّئان الظروف لتعمل مراكز التجميع المنفردة كسوق قارية موحّدة، وهو بالضبط الحجم الذي افتقدته الصناعة حتى الآن.
وقد لخّص مسعد الفكرة بقوله إن أفريقيا لا يمكن أن تحقق إمكاناتها عبر سوق منفردة، وإن المطلوب منظومة مترابطة تسهم فيها كل دولة وفق نقاط قوتها، سواء في التجميع أو المكونات أو المواد الخام أو التكنولوجيا أو المهارات.

ثلاث أولويات للرئاسة الجديدة
حدد مسعد ثلاثة محاور رئيسية لعمله في المنصب:
| الأولوية | المضمون |
|---|---|
| اتساق السياسات | العمل مع الحكومات على وضع أطر طويلة الأجل وقابلة للتنبؤ، بما يمنح المصنّعين الثقة اللازمة لضخ رؤوس الأموال |
| قاعدة المكونات | تطوير الموردين الأفارقة، وهو ما يحدد حجم القيمة المحتفظ بها داخل القارة وعدد الوظائف المتخصصة وتنافسية المركبات المصنعة محلياً |
| التكامل الإقليمي | إزالة الحواجز أمام انتقال المركبات وقطع الغيار والمهارات والاستثمارات بين الأسواق الأفريقية |
قراءة في الأولويات: الترتيب نفسه يحمل منطقاً واضحاً. لا استثمار من دون سياسات مستقرة، ولا قيمة مضافة حقيقية من دون موردين محليين، ولا جدوى من الاثنين معاً من دون أسواق مفتوحة على بعضها. وهذه ليست نظرية، بل الدرس المستخلص من تجارب دول أخرى بنت صناعات سيارات ناجحة.
أين تقف أفريقيا اليوم؟
يستند هذا العمل إلى زخم متنامٍ في شمال القارة وجنوبها. فقد أحرزت مصر والمغرب والجزائر وجنوب أفريقيا تقدماً ملموساً في توطين الصناعة، واستقطبت كل منها استثمارات جديدة ضمن سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية.
المغرب تحديداً تحوّل خلال العقد الأخير إلى مركز تصدير للسيارات نحو أوروبا، فيما تعمل مصر على توسيع قاعدتها الصناعية. أما جنوب أفريقيا فتمتلك أعرق قاعدة تصنيع في القارة.
تعليق قيادة هيونداي
من جانبه، أشار خوسيه مونيوز، الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة هيونداي موتور، إلى أن انتخاب مسعد يعكس قدراته القيادية وفهمه للفرص المتاحة في أنحاء أفريقيا، مؤكداً أن التعاون بين واضعي السياسات والمصنّعين والمؤسسات الإقليمية ضروري لإطلاق الإمكانات طويلة الأجل للقارة.
وختم مسعد بالتأكيد على أن الفرصة تتجاوز مجرد تجميع المركبات، إذ تشمل بناء القدرات وتطوير الموردين وخلق وظائف تتطلب مهارات، وصولاً إلى إرساء صناعة قادرة على النمو مع القارة لعقود.
الزاوية الخليجية: القرار يُتخذ من دبي
هذه ليست قصة أفريقية بحتة، بل قصة خليجية بقدر ما هي أفريقية.
أولاً، المقر في دبي. يقع المقر الإقليمي لهيونداي موتور للشرق الأوسط وأفريقيا في برج يو بورا بمنطقة الخليج التجاري في دبي. أي أن القرارات الخاصة بأسواق تمتد من المغرب إلى جنوب أفريقيا ومن الكويت إلى عُمان تُتخذ من الإمارات.
ثانياً، الدلالة القيادية. تولّي أول تنفيذي عربي قيادة هذا المقر، ثم انتخابه رئيساً لرابطة قارية للتصنيع، مؤشر على تنامي الحضور العربي في مواقع القرار داخل شركات السيارات العالمية.
ثالثاً، التجربة قابلة للتطبيق. الأسئلة التي تطرحها الرابطة الأفريقية اليوم، من استقرار السياسات إلى تطوير الموردين المحليين، هي الأسئلة نفسها التي تواجه مشاريع التصنيع الناشئة في الخليج مثل “سير” السعودية ومصنع لوسيد. النموذج الأفريقي في التكامل الإقليمي يستحق المتابعة من هذه الزاوية تحديداً.
ملاحظة على القالب: لا يتضمن هذا المقال جدول أسعار بالدرهم لأن الخبر يتعلق بتعيين قيادي وملف صناعي، لا بطراز معروض للبيع.
انتخاب طارق مسعد رئيساً للرابطة الأفريقية لمصنّعي السيارات ليس خبراً إدارياً عابراً. إنه مؤشر على مرحلة تحاول فيها القارة الأفريقية الانتقال من التجميع البسيط إلى صناعة حقيقية ذات قيمة مضافة.
والاختبار الحقيقي لن يكون في الخطط المعلنة، بل في قدرة الرابطة على تحويل السياسات المتفرقة إلى إطار قاري متماسك. وهو تحدٍّ لن تُقاس نتائجه قبل سنوات.