August 26, 2026

مليون ونصف سيارة صينية تُصنع في أوروبا سنوياً بحلول 2035.. وأوروبا تردّ بقانون جديد

الأرقام وحدها تروي القصة. هذا العام، ستُنتج العلامات الصينية نحو 90 ألف سيارة داخل أوروبا. وبحلول عام 2030، يُتوقع أن يقفز الرقم إلى مليون سيارة سنوياً، ثم إلى 1.5 مليون بحلول 2035 وفق تقديرات شركة Global Mobility المتخصصة في أبحاث السوق.

بعبارة أوضح: خلال عقد واحد، ستتحول القارة التي اخترعت السيارة إلى قاعدة إنتاج للعلامات الصينية. والاتحاد الأوروبي بدأ يتحرك.

لماذا تبني الصين مصانعها داخل أوروبا؟

السبب المباشر واحد: الرسوم الجمركية.

فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً مرتفعة على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، ما جعل التصدير المباشر مكلفاً. والحل الأبسط بالنسبة للشركات الصينية كان تجاوز الحاجز بالكامل عبر الإنتاج داخل القارة نفسها.

هذه ليست استراتيجية جديدة في تاريخ الصناعة. اليابانيون فعلوها في الثمانينيات حين واجهوا قيوداً أميركية وأوروبية، والكوريون كرروها لاحقاً. الفارق أن الصينيين ينفذونها بسرعة أكبر بكثير.

خريطة المصانع: إسبانيا في الصدارة

برزت إسبانيا كوجهة مفضلة للتصنيع الصيني في أوروبا، معتمدة على بنية صناعية قائمة ومصانع تعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية.

الشركة الموقع التفاصيل
BYD المجر بدء الإنتاج قريباً
BYD إسبانيا مصنع إضافي قيد الدراسة
جايكو وأومودا إسبانيا إنتاج عدة طرازات بالفعل
ليب موتور سرقسطة، إسبانيا إنتاج سيارات كهربائية في موقع ستيلانتيس
جيلي فالنسيا، إسبانيا شراكة مع فورد

اللافت في هذه الخريطة هو نمط الشراكات. ليب موتور تنتج داخل موقع تابع لـستيلانتيس، وجيلي تصنّع بالشراكة مع فورد. أي أن التوسع الصيني لا يجري ضد الصناعة الأوروبية فقط، بل أحياناً من خلالها.

الرد الأوروبي: قانون المسرّع الصناعي

هنا يدخل التشريع على الخط. يعمل المشرّعون الأوروبيون على ما يُعرف بـقانون المسرّع الصناعي (Industrial Accelerator Act)، الهادف إلى تقوية القاعدة الصناعية الأوروبية ودعم التصنيع المحلي.

التفاصيل النهائية لم تُحسم بعد، لكن التوجه واضح: فرض حصص إلزامية لاستخدام قطع غيار أوروبية في السيارات المصنعة داخل القارة.

المنطق وراء ذلك عبّر عنه الخبير الاقتصادي ساندر توردوير، الذي حذّر من أن غياب مثل هذا القانون يعني أن تتحول المصانع الصينية في أوروبا إلى مجرد خطوط تجميع لمكوّنات صينية، بقيمة مضافة ضئيلة للاقتصاد الأوروبي.

بصيغة أخرى: وظائف تجميع بدل صناعة حقيقية.

المعضلة أمام BYD تحديداً

القانون المرتقب يضع الشركات الصينية أمام حسابات معقدة، وBYD في المقدمة.

السبب أن BYD تتميز بدرجة عالية جداً من التكامل الرأسي، أي أنها تصنّع معظم مكوّناتها بنفسها، بما في ذلك البطاريات وأشباه الموصلات. وهذا التكامل هو سرّ قدرتها على خفض التكاليف والمنافسة سعرياً.

وأشار غريغور ويليامز من مركز أبحاث Rhodium Group إلى أن الحصول على صفة “صُنع في أوروبا” سيتطلب تصنيع أجزاء كبيرة من المكوّنات محلياً، والبطارية في مقدمتها.

والبطارية ليست قطعة عادية. إنها العنصر الأغلى في السيارة الكهربائية، وتصنيعها محلياً يعني استثمارات ضخمة في مصانع جديدة. عندها يصبح السؤال أمام BYD مباشراً: هل يستحق دخول السوق الأوروبية هذه الكلفة؟

الزاوية الخليجية: لماذا يعنينا هذا؟

قد يبدو صراع الرسوم الجمركية الأوروبية بعيداً عن الخليج، لكنه يمسّ المنطقة من ثلاث زوايا.

أولاً، الخليج سوق مفتوح. لا تفرض دول مجلس التعاون رسوماً حمائية على السيارات الصينية مماثلة للرسوم الأوروبية، وتخضع الواردات لتعرفة جمركية موحدة منخفضة. هذا يعني أن المستهلك الخليجي يحصل على السيارات الصينية بأسعار تنافسية لا تتوفر للمشتري الأوروبي، وهو أحد أسباب النمو السريع لحصة العلامات الصينية في أسواق الإمارات والسعودية.

ثانياً، مسألة المنشأ والمواصفات. إذا نجح القانون الأوروبي في فرض مكوّنات محلية، فقد نشهد مستقبلاً نسختين من الطراز نفسه: واحدة أوروبية المكوّنات وأخرى صينية بالكامل تُصدَّر إلى أسواق مثل الخليج. هذا احتمال منطقي وليس أمراً معلناً، لكنه يستحق المتابعة لأنه قد ينعكس على قطع الغيار والصيانة.

ثالثاً، طموح التصنيع الإقليمي. السعودية تبني قطاع سيارات محلياً عبر مشاريع مثل “سير” ومصنع لوسيد. والمنطق الذي يدفع الصينيين إلى التصنيع داخل أوروبا، أي القرب من السوق وتجاوز كلفة الشحن والرسوم، هو المنطق نفسه الذي يمكن أن يجعل المنطقة وجهة تصنيع مستقبلية.

ملاحظة على الأسعار: هذا المقال يتناول ملفاً صناعياً وتشريعياً لا منتجاً معروضاً للبيع، ولذلك لا يتضمن جدول أسعار بالدرهم. الأثر السعري لهذه التطورات على المستهلك الخليجي غير مباشر، وسيظهر تدريجياً عبر تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد.

الخلاصة

ما يجري في أوروبا ليس مجرد نزاع تجاري، بل إعادة رسم لخريطة صناعة السيارات العالمية. العلامات الصينية تنتقل من مرحلة التصدير إلى مرحلة التصنيع المحلي، وأوروبا تحاول ضمان أن يترجم هذا التحول إلى وظائف وقيمة مضافة حقيقية لا خطوط تجميع فقط.

النتيجة النهائية ستحدد شكل السوق العالمية لعقد كامل، وستصل تبعاتها إلى الخليج بشكل أو بآخر.

أهم المقالات